عندما خلعتُ الحذاء
أعتقد أنني امرأة غاضبة، لكن كلمة "غاضبة" نفسها تبدو أحيانًا صغيرة جدًا، مثل ملصق رديء الجودة على صندوق مرمي.
الغضب كلمة يستخدمها الناس عادة لوصف انفعال مؤقت، مثل شجار في الشارع، جدال عائلي، أو رسالة هاتفية لم تصل في وقتها، أما ما أشعر به فهو أقدم بقليل، وأشد بطأ من ذلك.
أحيانًا أقول إنني غاضبة من الحياة بسبب الطريقة التي تعاملت بها معي، وأحياناً أخرى أصب غضبي على نفسي، على أنوثتي تحديدا _فكرة سخيفة طبعا_ لكنها تزورني كثيرا؛ فلو لم أكن امرأة، هل كنت سأجلس أمام مجموعة من الرجال الغرباء يحققون معي وكأنني متهمة في قضية أمن عام؟ يسألونني، بجدية مدهشة، لماذا أرفض النوم مع زوجي، ولماذا لا أريد إنجاب المزيد من الأطفال له’ وإكثار عشريته البائسة؟
ولماذا أفعل ذلك، بحق الإله، إن كنت لا أرغب في هذا الزواج أصلاً!!
كنت أعرف أنني غاضبة قبل تلك اللحظة بوقت طويل لكنني لم أعرف قبلها تحديدًا حجم الغضب الذي يسكنني.. في تلك الغرفة، بينما كانت الأسئلة تتساقط عليّ كحجارة من سجيل اكتشفت أن بداخلي شيئًا يشبه المتفجرات، و لو كان لدي زر صغير يفجر المكان بكامله وينهي هذه المسرحية الرديئة، لضغطته.
الرجال يتحدثون باسم السماء، ويدافعون عن شرف رجل محتال، بينما المرأة المعنية بالموضوع تجلس أمامهم مثل قطعة أثاث قررت فجأة أن تعلن رأياً.
نعم، كان لدي رأي، ولا يزال.. وفي كل مرة أحاول فيها إبداء رأيي هناك لحية لعين تعترض طريقي.
أردت أن أخبرهم بأنني امرأة حرة، وأنني لم أخضع يومًا للإله _رغم كل المحاولات_ ولا للمرأة التي أنجبتني، فكيف يتوقعون مني أن أخضع لرجل جبان يترك الدين والقوانين والتقاليد وأعمامه وأبناء أعمامه يحاربون معاركه الخاصة بالنيابة عنه؟
أنتم أيها الأوغاد، رعاة البقر والحمير تعرفون أن هذا لن يحصل أبدًا؛ لأنني أنا أيضًا، مثلكم، أملك أنيابًا ومخالب.
كما ترى، من الصعب أن يكون الشخص امرأة، لكن الأصعب من ذلك أن يكون امرأة متزوجة داخل نظام لا يرى فيك انساناً كاملاً، وفي مثل تلك المسرحيات العبثية، سيئة الإخراج، تضعك الأنوثة.
الخبر الجيد _والوحيد_ هو أنني لم أعد امرأة متزوجة. أكتب هذه الجملة الآن وأشعر بالسرور والخفة، خفة شخص خلع حذاءً ضيّقاً بعد مسيرة طويلة.. بالطبع، لا أحد يصف خلع الحذاء كحدث تاريخي، لكنه يظل لحظة مهمة جدًا للقدم.
الأمور لم تأخذ وقتا كي تتخذ شكلها المألوف، في بداية المشوار اتضح أن هناك أفكارا قديمة جدا تتسرب إلينا من الخارج، وبدأت أرواح الأجداد الخبيثة تحوم حولنا، وصارت الرياح تجري بغير ما تشتهيه الأنفس والسفن.
القيم المشتركة بيننا تداعت، واختار المحترم _الإنسان ابن الإنسان وحفيده_ الطريق المختصر، المعتاد والمليء بالنقص والمؤدي إلى الظلام، فظل يطالب بالمزيد والمزيد، وتم إلغاء أي دور آخر لي في الحياة عدا دور الزوجة الأم.
ودعني أقدم تصريحًا هنا، ليس لدي مانع في أن أكون أمّاً أو زوجة، طالما لا يُطلب مني أن أتنازل مقابل ذلك عن حقي البسيط في أن أكون انسانًا كاملاً .
لكن ما حدث أكد لي ما كنت أعرفه سابقاً وتعرفه كثير من النساء مثلي تماماً، ومع ذلك نمارس نوعًا أنيقًا من الغباء ونقنع أنفسنا بأن الأمور ليست بهذا السوء، وأن تجارب الأخريات ربما كانت استثناءات مؤسفة.
عزيزتي، الإنسان بارع جدًا في تجاهل الأدلة عندما يكون الأمل مريحًا. وأنا كنت أهدئ نفسي وأقول حتى لو أصبح الأمر سيئًا، فهناك دائمًا خطة.
لكن خطتي العجيبة منذ البداية كانت فاشلة ومضحكة للغاية، كنت أضع ثقة عمياء في مبادئ زوجي المحترم، مدعي الإنسانية.. هذه كانت خطتي انقاذي ببساطة ويمكنك أن تضحك عاليًا على مدى غبائي.
حتى إننا اتفقنا على ألا يمارس أحدنا على الآخر سلطة من أي نوع، اعتقدت أنني أذكى من أمي وجداتي، وأردت أن أعيش التجربة ذاتها التي عشنها من دون أخطائهن القديمة.
كان يردد الأفكار الصحيحة، تلك التي تدين مؤسسة الزواج في صورتها الحالية، كان يؤمن بأن الحرية ضرورية، وأن البشر يجب أن يكونوا متساوين. وكنت أتحدث معه عن هذه الأمور بثقة شخص يعتقد أنه أذكى من التاريخ، وصدقته تمامًا لأنني أردت أن أصدقه.
آه أيتها الصديقة، الأفكار الجميلة شيء، والعمليات اليومية للحياة شيء آخر، والكثير من الرجال يؤمنون بحرية المرأة بالطريقة نفسها التي يؤمن بها الناس بالرياضة؛ فهي فكرة ممتازة نظريًا، طالما لا تتطلب منهم أن ينهضوا من الأريكة.
وهكذا اتضح أن خطتي تحتاج إلى خطة أخرى، وخلال ذلك أصبحت أمًا، والأمومة تغير شكل المأزق.
تتغير الأولويات، ويصبح الأمر فجأة لا يتعلق بحريتك فحسب، وهو أمر مربك للغاية عندما تكونين أنت نفسك في منتصف محاولة فهم ما يحصل معك.
وهكذا عشت دربًا من التنازلات والمناقشات العقيمة، وجربت كل الأشياء التي استخدمتها أمهاتنا التعيسات وراء الغرف، ومن قبلهن جداتنا الأكثر تعاسة، للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه وسط أنفاق معتمة.
عشت عامًا من الجوع
وعامًا من الرماد
وعامًا من الفرار.
وتركته، تركت له كل شيء تقريبًا: البيت، الأشياء، الترتيب القديم للحياة. تركت هناك جلدًا ميتًا
، وبعضًا من كرامتي، لكنني احتفظت بقدرتي على الحب، وما زلت أستطيع منح ما يشبه الثقة لبني جلدتي.
وهذا شيء مذهل؛ فالمرء يظن أحيانًا أن التجارب القاسية ستجعله قاسيًا بدوره، لكن المفاجأة أن القلب يملك طرق نجاة غريبة، مثل نبات ينمو بين شقوق الإسفلت.
الليلة أكمل عامي الثاني والثلاثثن، إذا كنت أحسبها بشكل صحيح.. لا أملك خطة كبرى للحياة، ولا مشروع خلاص واعد ولكنني أعيش في اللحظة نفسها التي كتبت عنها إيلينا فيرانتي، تلك اللحظة التي تنهار فيها الحياة القديمة فجأة، وتبدأ المرأة في رؤية نفسها بوضوح مخيف.
لدي قلم، وطفل جميل، وغضب عارم، والقليل من المال قد يسمح لي بإيجاد طريق أفضل.


لطالما كانت الحياة مثل أوراق التاروت؛ ففي يومٍ ما قد يظهر لنا حظّ لم نكن نتوقعه. لكنها في النهاية تجربة جميلة من تجارب الحياة. القادم أفضل سلومي 🙏🏽🙏🏽