مخرج طوارئ
كمحاولة مني لأن أمسك طرفي من هذه الحكاية، ولأنصف قليلًا صديقي _زوجي السابق_ رغم كرهي العظيم له، أجدني أُلزم نفسي بالعدل معه حتى في اللحظة الأخيرة، وسأستخدم كلمة "صديقي" هنا كي أواري انفعالي فقط، لا أكثر.
هذه الوثيقة ليست مرافعة ضده بقدر ما هي محاولة لتتبع الخيوط الأولى للأحداث، أقصد بها إعادة ترتيب ما بعثرته السنوات، وتوضيح الصورة لنا نحن الاثنين.
في متاهتنا هذه، نحتاج إلى مخرج طوارئ، وربما لو تتبعنا الطريق بصدق، نعثر عليه.. وعلى كل حال، فهذا ما أجيد فعله دائمًا!
الليلة تحمل ثقلا علي، أختم اثنين وثلاثين سنة، كان صديقي محورا أساسيا لعشرة منها، عشرة أعوام كاملة تداخل فيها كل شيء، طبقات لا تُحصى من مشاعر وأحداث، جيولوجيا كاملة لقلب واحد.
من الصعب جدا تجنب النبرة البكائية التي تتسلل إلى النص عند مقاربة بعض النقاط الحساسة، ولكنني سأحاول جاهدة تفاديها، سأظل ألزم نفسي بالإنصاف وأقول: كانت الأمور بيننا أكثر من مشاعر وأحاسيس، وبالنسبة لي، كانت علاقتي معه ولادة جديدة، كنت مراهقة تعيش على هامش كل شيء، لم يكن لي انتماء حقيقي، وكنت أحمل أفكارا مشوهة عن الإله والوطن والمجتمع.
المحادثات الطويلة في آخر الليل كانت ورشة لصقل الفكر والهوية، مساحة للتجربة والتساؤل، لتحديد القيم وتوضيح الصورة التي كنت أرى نفسي عليها.
حين أقول إن هذه السنوات "شكلت صورتي"، أعني شيئا أكبر من مجرد انعكاس عاطفي لشخص آخر، بل أقصد بناء داخليا لهويتي، ما أؤمن به، وكيف أتعاطى مع المجتمع والعالم.
هل أخطأت حين وثقت بالحب؟ لا، أبدا، وسأظل أراهن عليه حتى النهاية.
تعلمت منه الكثير، كيف أحب، وكيف أتوقف عن الحب عندما يصبح عبئًا، وكيف أضحي وأتنازل، وكيف أدافع عن ما هو لي، وكان جزءا لا بأس به من أجمل أيامي وسببا لها، وكذلك كان تعاستي وضياعي المحقق.
بينما أكتب هذه الكلمات الآن، أستمع إلى أول أغنية بعثها لي: "Wacad/Ubax Fahmo"
لماذا هذه الأغنية التي تبكي على أطلال حبيب رحل.. أتساءل، ترى هل كان يمر بانفصال عاطفي حينها؟ لست أدري، لكنها تناسب أكثر الظروف التي أعيشها الآن.
كان دائما يبرع في خلط الأوراق ببعضها البعض، وأنا متأكدة أن العديد من الفتيات التائهات مثلي تلقين منه نفس الكلمات والصور والأغنيات بالتوقيت الخاطئ ذاته، لأن صديقي رجل عادي جدا اعتاد التكرار وتنقصه الأصالة في خطواته.. فهو دائمًا أقل بقليل من المستوى، إنه فقط يجمع أفكارا غير عادية ويوزعها هنا وهناك.
في تلك الليلة، كنت في منزل صديقة لي وقد كنت مستغربة من تلك كلمات الأغنية فسألتها إن كان من اللائق أن يرسل أحدهم مثل هذه الكلمات لشخص يعرفه مدة أسبوع واحد فقط!
لكنني مع ذلك احتفظت بها كتذكار، كحداد جاء قبل موعده، فهي رائعة ويمكن الاستمتاع بها تحت أي ظرف، ومنذ ذاك اليوم كنا نسير نحو هذا الطريق الذي رسمته الفنانة لنا.
الآن، ها هي "أبح فهمو" بصوتها الناعم تصطحبني إلى حيث ينتهي المطاف.. تقول إن الدائرة أغلقت أخيراً:
-Inteed weedh i damaqdiyo, igu tiri war ii daran
-Anna wada jirkeeniyo, waday uun danteenee
-Waana taagtay kugu idhi…
-Ku walaacin maayee
-Nasiibkaaga waad heli!
…
ولكن ذوقه في الموسيقى جميل، ولازلت أستمع إلى كل الأغاني التي أرسلها لي تقريبا.
كانت القراءة أكثر نشاط نمارسه؛ كنا نعتبرها عملية حية من المشاركة في فهم العالم، وكنت أقرأ له قصائد هدراوي وامرؤ القيس، ورغم أن هذا لم يساعده في تحسين بلاغته وكل جهودي في رفع مستوى فصاحته لم تثمر كما كنت أتمنى، إلا أنه كان يتمتع بعقل تحليلي فريد، وكان هذا كافيا.
كنا مثل عجوزين مملين، نعيش في روتين متكرر، لا نبحث عن الإثارة والمغامرة، إنما عن لحظات بسيطة نعيشها معا بعيد عن الآخرين.
نلتقي في مكاننا المفضل ونفعل ما نجيد فعله أكثر من أي شيء آخر: الكلام والمزيد من الكلام، نشاهد الأفلام بنهم، ونسمع الموسيقى الكلاسيكية ونتمشى مسافات طويلة.. كان بيننا إيقاع جميل، وكل شيء كان واضحا وفي مكانه المناسب، والزواج أفسد كل شيء أو هذا ما أفضل إقناع نفسي به
لن أذكر تفاصيل أكثر، فهذه الوثيقة ، كما قلت سابقًا ، ليست مرافعة ضد رجل تركته منذ ما يقرب من العام، بل هي محاولة لمعرفة مدى عمق الجرح الذي وقع، وإيجاد مخرج له.
إذا كان ثمة مخرج، فأعرف أنه يكمن في العفو؛ أن أسامح نفسي أولًا، ثم أسامحه هو أيضًا، لأتمكن من التخلص من الكره الذي يلتهمني.. لانني لا أستطيع أن أظل أسيرة لهذا الشعور الذي يفسد كياني ويخفي عن عيني بريق الحياة.
رغم ذلك، ما زلتُ عالقة بين الرغبة في التحرر والمقاومة التي تجعل العفو يبدو عملية مستحيلة.
يومًا ما، عندما أتحرر من كرهه كما تحررت من حبه "سأعيد ترميم ما يشبه الطمأنينة"، كما قالت سيلفيا بلاث.
قبل ذلك، ليعني الإله على التماسك، والقوة كي أحتفظ ببعض من جمال ما كان.
تقول الأغنية الشهيرة:
-Alloow yaanan goyn ruux, gobanimo daraaddii
- Galab aan u baanahay, gacan hiil i siiyoo
- Ii galay abaal badan.
-Alloow yaanan gelin qudha, guji-nacaska aadmiga
-Erey gef ah aadmi igu yidhi, la god gelin cadaawahoo
-Gocoshana ku ciil bixin!

