متناغمان: قصة قصيرة
عزيز مهدي: متناغمان (قصة قصيرة)
ترجمة: سلمى محمد
إذا كانت القراءة تمنح الإنسان معرفة أوسع، وترتقي بوعيه، وتفتح أمامه نوافذ جديدة لفهم الحياة والناس، فإن القراءة حين تُشارك تتحول إلى شيءٍ آخر؛ إلى فعلٍ إنساني حميم يغرس المحبة في النفوس، وتصبح وسيلة ننقل بها مشاعرنا ومودّتنا إلى الآخرين.
طوال الأشهر التسعة الماضية، اعتاد هذا الثنائي أن يكونا شريكي قراءة، ولكن ليس كما هو معتاد في حلقات القراءة الجماعية والنوادي الأدبية التي تضمّ العديد من الأعضاء، بل هي مشاركة تخصّهما وحدهما.
يختار كلٌّ منهما كتابًا يعلم يقينًا أن الآخر لم يقرأه، ثم يحمله معه إلى المقهى الذي صار مع الوقت مكانهما المعتاد، وفي اللحظات الأولى يستقبلان بعضهما البعض بحفاوة ويتبادلان السلام والعناق والقبل بوجوه تنمّ عن سرورٍ حقيقي.
عادة يلتقيان في مقهيين اثنين، يقع كلٌّ منهما بالقرب من منزل أحدهما، يتناوبان بينهما؛ ليحظى كلٌّ منهما بفرصة استقبال صاحبه في حيه، ليرافقه في طريق العودة إلى بيته.
يتحدثان قليلًا عمّا طرأ منذ آخر لقاء، لا يكتفيان بالعموميات، بل يتوقفان عند ما هو أعمق، عند تلك المساحة التي يعيشها الإنسان وحيدًا بعيدًا عن أعين الآخرين؛ فكثرة اللقاء لا تعني بالضرورة قربا وفهم الشخص لا يكتمل إلا بالسؤال عمّا يهمّه حقًا.
كثيرا ما يحدث أن يعيش المرء مشاعر وتجارب لا يجد من يشاركه إياها، رغم أن من حوله قد يكونون قريبين منه بالجسد، لكنهم بعيدون عنه روحيا ونفسيا، أما هذان الشخصان فالعلاقة بينهما مختلفة؛ فهما قريبان جسديا وفكريا، يجمعهما انسجام وتواصل أصيل.
بعد الإنتهاء من الاطمئنان على بعضهما، ينزويان إلى الركن الأيمن الذي يغمره الضوء الخافت ويقدَّم لهما المشروب الذي اعتادا عليه والذي اشتهر به هذا المقهى، أما في الأيام التي لا يكون لديهما التزامات صباحية فإنهما حين يلتقيان عند الظهيرة يطلبان القهوة فقط.
ثم يفتح كلٌّ منهما كتابه ويمضي فيه إلى مساحة تأملٍ خاصة، يحاور النص ويقف عليه ويعيد النظر فيه، ويصغي إلى ما توقظه الكلمات في داخله من أسئلة وانفعالات.
قراءاتهما _في الغالب_ تنتمي إلى الأدب، وإلى السير الذاتية والمذكرات التي يعتبرانها خلاصة التجربة الإنسانية، كما يهتمان بكتب التاريخ والثقافة والفن، في امتداده بين التراث وتحولاته الحديثة.
ينغمسان في القراءة، فيبدو المشهد من الخارج كأنهما يتبادلان همسًا خجولًا، غير أن ما يجري يكون أعمق من ذلك؛ يلتحمان في الداخل ويغازل كلٌّ منهما انعكاس الآخر بين السطور، وكأن الكتب وسيلة تواصل لم تكتشفها التقنيات الحديثة بعد.
منذ فترة نشأت بينهما عادة جميلة، أثناء القراءة _سواء كانا معًا أو بعيدين عن بعضهما_ يودعان في الصفحات إشارات وتعليقات خفية كرسائل غير مباشرة، يترك كلٌّ منهما في الكتاب جزءا من ذاته، وعند الفراغ منه_غالبًا في غضون أسبوع_ يعيده إلى صاحبه وقد امتلأت صفحاته بآثار تفاعله، خطوط تحت العبارات، كلمات محددة، وربما بقع ماء أو أثر دمعة، فيتحول الكتاب بينهما إلى وسيلة لتبادل الأفكار، أشبه بصندوق بريد يتنقل بين يديهما. هذا يذكّر بأيام المدرسة، حين كانت الورقة المطوية التي تُمرّر داخل الفصل وسيلة تواصل بين طالبين بدأ كل منهما يلاحظ مشاعره تجاه الآخر، أحبّا تلك الفوضى وتعمّق حبهما أكثر فأكثر.
وعندما يعود الكتاب إلى صاحبه يجد إلى جانب النص الأثر الذي خلّفته القراءة الأولى، أثر حبيبه الممتد بين السطور.
فالإنسان حين يحب يميل إلى أن يسير في أثر من يحب: يشرب من حيث شرب، يأكل من حيث أكل، ويستلقي في نفس المكان الذي استلقى عليه، ويردد كلماته المعتادة، ويخطو على إيقاع خطواته، ومع هذه المشاركة الدقيقة بين الحواس والتجارب ينسج بينهما خيط رقيق من الألفة، يمنح للحياة نكهة مختلفة ويجعل كل واحد منهما حاضرًا في تجربة الآخر، متداخلًا معه دون أن يفقد ذاته أو تتلاشى ملامحه الخاصة.
تتوافق وتيرة قراءتهما معا؛ فهما يحرصان منذ البداية على تماثل حجم الكتاب وعدد صفحاته، حتى لا ينتهي أحدهما من قراءته قبل الآخر بفارقٍ زمني كبير.
النظام الذي ابتكراه في القراءة المشتركة والساعة التي يقضيانها معًا يوميا تكشف عن لغة خاصة تتجاوز الكلام، يتوقفان عند مواضع معينة بصمت ودون أن يفوّت أحدهما ما يراه ويلاحظه الآخر.
في هذا الكتاب_مثلا_ توجد ثلاثةُ أسطرٍ وضع تحتها خط، وعلى هامش الصفحة سؤالٌ كتبه صاحبه: بماذا يذكّرك هذا المقطع؟
وبالقرب من ذلك تظهر كلمةٌ أخرى أُحيطت بدائرة، تخرج منها إشارة نحو أسفل الصفحة، حيث كُتبت ملاحظةٌ بخطٍ يعرفه القارئ جيدا:
هذه الكلمة أعادت إلى ذاكرتي تلك الليلة التي كنا نمشي في الزقاق المظلل بالأشجار بينما كان المطر يهطل.. كنت قد نسيت مظلتي وأخرجت لنا مظلتك وكنت تمازحينني قائلة: أنت دائمًا هكذا، ألا تحضر أبداً نشرة أخبار الطقس؟!
أتذكرين كيف أفلتُّ من تحتها وركضتُ نحو المطر؟ وأنت بعد أن طويت المظلة ووضعتها في حقيبتك وهي ما تزال مبللة، لحقت بي مسرعة.
أتذكرين كيف واصلنا الركض معًا مسافةً طويلة، نركض أحيانًا خلف بعضنا وأحيانًا جنب بعضنا؟ وكيف بللنا المطر، وكيف أعاد إلينا الضحك الإحساس بالدفء؟
هذه الكلمة التي وضعتُ حولها دائرة أعادتني في تلك الليلة.. أتذكر تلك الكلمة التي قلتها.
حتى إنني تساءلت يومها ، هل كان صاحب هذا الكتاب يراقبنا و يختلس النظر إلينا من نافذةٍ ما؟ أكان مختبئا بين الغيوم، هل كان واحدا من تلك الملائكة التي كنا في طفولتنا نتخيّل أنها تعبث في السماء فتأتي بالمطر؟
في تلك الليلة وصفتنا بكلمة "متناغمان".
وهذه الصفحة، كأنها تتحدث عنا نحن!
وهنا عنوان آخر تحتَه خط، وفي أسفله ملاحظةٌ صغيرة:
"هذا العنوان، كنت لأصف به شخصيتك، ألق نظرة".
في مكانٍ آخر، وعلى مساحةٍ فارغة من إحدى الصفحات، كُتبت ملاحظة تقول:
أتذكر تلك الليلة التي شاهدنا فيها معًا ذلك الفيلم البسيط، الذي بدا في الوقت نفسه عميقا؟ كان بين غرفتي بطلي الفيلم حاجز خفيف لا يحجب الكثير، حتى إنهما كانا يسمعان أنفاس بعضهما جيدا.. وكأننا نحن!
Love, Divided (2024) كان بعنوان:
أعادني هذا المشهد إلي لحظات قراءتنا، حين أصمت فجأة، كما أفعل الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، أسمع صوت صفحاتك وأنت تقلبينها برفق.
عندما نجلس معًا، كلٌ في مكانه نكون مثل تلك الكلمتين "حب" وفي الوقت نفسه "مقسوم"!
مرة أخرى، اكتمل فصل كامل، وكانت هناك صفحة فارغة قبل أن يترك الحبر الأزرق أثره عليها، كتبت عليها كلمات قد تبدو للوهلة الأولى عبثية، لكن حين تُقرأ معًا، ويُستشعر أيضًا حضور الآخر يكتشف القارئ أن بين هذه الكلمات نواةً عميقة، تشهد على جمال عادة ترك الملاحظات على الهوامش والاطراف التي حملها هذا الطقس المشترك.
كانت الكلمات تقول:
"العين، الأذن، الشفاه، الأنف، والخدود. من الركبة إلى الكعب. الكتف والعظم. الفخذ، الكتف، التلاصق، التلاحم، الزمن، القدر.. ذاك اليوم، تلك الليلة، آه، في اللحظة نفسها وبالطريقة ذاتها.."
اختتمت العلامة بنقطتين، وكأنهما تتلاحقان، كما كانا يلاحقان بعضهما في تلك الليلة الممطرة، وكأن الكلمات نفسها تحمل صدى خطواتهما المتسارعة تحت المطر، وتحتفظ بسرّ تلك اللحظة التي أصبحا فيها متناغمين.
في هذا التتابع الغريب من الكلمات، بدت الصفحة الفارغة وكأنها اكتسبت حياة خاصة؛ كل كلمة تنبض بوجودهما تحمل آثار حركتهما وأنفاسهما وحتى ضحكاتهما، أصبحت سجلا صامتا من لحظات مشتركة تشهد على انسجامهما العميق، وعلى الطريقة الفريدة التي يختبران بها العالم معًا من خلال القراءة والملاحظات الصغيرة والوجود المشترك.
عندما يتفاعلان مع الكلمات الإضافية التي تركها الآخر في الصفحات، يحدث أحيانًا،من دون اتفاق مسبق، أن تتلامس أيديهما.. يد تمسك بالكتاب بينما الأخرى تبحث،وتتردد، وتستقر بين لحظةً وأخرى على يد الآخركأنها تقدم شكرا وتقديرا على ما تركته تلك اليد من ملحظات، إتها لحظة امتنان على القبول التي تحظى به فتقول لمساتها: أنا معك، وأنا هنا من أجلك.
ويصلان حالة من الانغماس الكامل، فيتوقف كل شيء حولهما، حتى الوقت يبدو وكأنه قد تجمد.. تتلاشى الأصوات من حولهما، حتى الموسيقى المنبعثة من المكان والمصممة عادةً لتلهي الزبائن وتسلّيهم، كأنها توقفت هي الأخرى؛ فتزداد حدة إحساسهما بكل نبضة قلب وكل نفس، كأن العالم كله قد انسحب ليترك لهما ملاذًا يحتضنهما.
مرّت تسعة أشهر على وجودهما معًا، وكل شيء بدا كما لو أنه خرج من رسم هدراوي في قصيدته "هل قدم للحب دما"، التي حوّلا كلماتها إلى "هل قدم للحب كتابا"، إذ أصبح الكتاب وسيلتهما الخاصة لتبادل الحب.
يجلسان معا، متلاصقين في هدوء، كأنهما جزء من عالم آخر منفصل.. طوال تلك الأشهر بدا وكأن كل واحد منهما يقرأ كتابًا بلا نهاية، يعكس شخصية الآخر بكل تفاصيلها، بينما يمر الآخرون من حولهما دون أن يلتفتا إليهم، وجميع الحركات المحيطة والضجيج، والتفاعلات العابرة كانت مجرد ظلال في عالمهما الخاص.
تتعاقب الطلبات: مشروبات تُقدّم، قهوة تُعد، طعام يوضع على الطاولات، بعض الزبائن يلتقطون الصور وآخرون يتحركون بين الطاولات ويحاولون الجلوس على الكراسي الزائدة، كل هذه التفاصيل الصغيرة تتخلل وجودهما دون أن تلتقط انتباههما بالكامل، الكتاب والمقعد والطاولة يخلق لهم لحظة أبدية من التناغم.


صورتي الحب ليس بالكلام فقط، بل بكل أثر صغير يتركه الآخر بين السطور🤍🙏