حوار في المكتبة
– هذا البيت… تغيّر.
– نعم.
– اللون لم يكن هكذا.
– لا.
– أصفر؟
– اخترته بنفسي.
– والشجرة؟
– زرعتها منذ سنتين.
– والسياج الأبيض؟
– أضفته لاحقًا.
– … احتجت لحظة لأتأكد أني في المكان الصحيح.
– ومع ذلك عرفت.
– ربما لأن التفاصيل تغيّرت كلها، إلا الموقع.
– أو لأنك كنت تعرف أنك ستجد هذا الباب.
– ربما.
– ادخل.
– …
– تفضل.
– شكرًا.
– تأخرت، قلت إنك ستأتي عند الخامسة.
– الطريق كان مزدحما.
– دائمًا تجد سببا للتأخير.
– وأنتِ ما زلتِ تدققين في الوقت.
– لأنني أرتب يومي بناء عليه.
– واضح.
– الكتب جاهزة في المكتبة.
– كلها؟
– تقريبا.
– …
– لن تبقى واقفا هكذا، أليس كذلك؟
– لا، فقط… أنظر.
– إلى ماذا؟
– لا أعرف، أحاول أن أربط بين ما أتذكره وما أراه الآن.
– لا تحاول كثيرا، لن ينجح ذلك.
– يبدو أنكِ سبقتِني لهذه النتيجة.
– منذ وقت طويل.
– …
– يمكنك أن تحضّر لنفسك قهوة، يبدو أنك تنوي البقاء أطول مما قلت.
– ربما.
– أو أنك لا تعرف كيف تغادر بسرعة.
– هذا أيضا لم يتغير، الماكينة في تفس المكان؟
– نعم، لكن لا تعتمد على ذاكرتك كثيرا.
– سأحاول.
– …
– الكرسي لم يعد هنا.
– أي كرسي؟
– كرسيي أنا.
– أعطيته لصديق.
– كان يدور في كل الاتجاهات.. وكان مريحا جدا.
– أعرف، ولهذا أعطيته لشخص سيستخدمه
– لم تفكري أنني قد أحتاج إليه؟
– لا.
– …
– القهوة جاهزة؟
– تقريبا.
– ضعها هنا.
– تفضلي.
– شكرا.
– …
– كيف كانت أفريقيا؟
– طويلة.
– اها؟
– تنقلت كثيرا… كينيا، تنزانيا، رواندا… ثم جنوبا.
– فكرتَ بالاستقرار ؟
– لا، كدت استقر في كيب تاون.
– ولماذا لم تفعل؟
– لم أشعر أنني أريد ذلك.
– أم لم تعرف كيف تبقى؟
– ربما الاثنان.
– …
– ِسمعت عنك.
– ماذا سمعت؟
– علاقات كثيرة.
– طبيعي.
– بهذا الشكل؟
– أي شكل؟
– سريع، ومتكرر.
– ربما.
– لا تنكرين.
– لا أرى سببًا لذلك.
– …
– ألا تزال تقرأ نفس الكتب؟
– أي كتب؟
– نفس النوع… نفس الأسماء.
– أقرأ ما يعجبني.
– هذا ما أقصده.
– ماذا تقصدين تحديدا؟
– أنت محدود جدا ولا تخرج من دائرتك.. وتستبعد ما تكتبه النساء.
– أنتِ تحكمين علي.. كالعادة.
– لا أحكم عليك، هذه ملاحظة.
– وأنتِ؟
– أحاول أن أقرأ ما يختلف عني.
– وتحكمين على الآخرين بناءً على ذلك؟
– لا، ألاحظ الفرق فقط.
– وتكتبين عنه.
– نعم.
– أقرأ لكِ.
– أعرف.
_ وأجد نفسي في كتاباتك.
– طبيعي.
– ليس بهذه الطريقة.
– أي طريقة؟
– كأنني شخصية… وليست أنا.
– لأنك تراها من زاويتي.
– لكنها قصتي كذلك.
– وأنا لم أقل إنها ليست كذلك.
– إذا لماذا تبدو مختلفة؟
– لأن تجربتي مختلفة.
– هذا لا يعطيك الحق في صياغتها كما تريد.
– أنا لا أصيغها كما أريد، أنا فقط أكتب.
– بأسلوب قاسٍ جدا.
– الكتابة تحتاج وضوحا.
– أو سلطة.
– ماذا تقصد؟
– أسلوبك… فيه شيء ديكتاتوري.
– ديكتاتوري؟
– لا يترك مساحة للآخر.
– لا أكتب احتمالات.
– لكن القصة كانت بين اثنين.
– إذا اكتب أنت كذلك.
– لا أريد.
– حسنا، لا تطلب مني أن أتوقف.
– أنا لا أطلب، أناقش.
– ناقش كما تشاء، النص موجود.
– وهذا ما يزعجني.
– لأنه لا يشبهك؟
– لأنه لا يشبه ما أتذكره.
– ذاكرتك ليست معيارا.
– ولا ذاكرتك.
– صحيح.
– إذا من له الحق؟
– لا أحد يملكه كاملا.
– لكنك تتصرفين وكأنه لك.
– لأنني أستخدمه.
– هذا ليس كافيا.
– إنه كاف بالنسبة لي.
– …
– هذه كتبك.
– كلها؟
– نعم.
– شكرا.
_…
_يبدو أنك تغيرت منذ آخر مرة.
_ماذا تقصد؟
_الشعر الأحمر، هل يعجبكِ حقا؟ وتلك القصة التي تشبه قصة ولد الجيران!
_ أردت شيئا عمليا يناسب صيف القاهرة..وتعجبني أن تتغير الأشياء من حولي من فترة إلى فترة.
_ وكيف تشعرين حيال كل هذا؟
– أعيش، فقط أعيش، وأرتب الحياة على طريقتي.
– …
– إذن سأحمل كتبي الآن.
– كما تشاء.
– شكرا على القهوة.
– لا شكر على واجب.
– وداعا.
– وداعا.

